Thursday, March 26th, 2026

فخ “تسليع” النيل.. هل تتحول مياه النهر من حق وجودي إلى سلعة تجارية؟

بينما تراوح أزمة سد النهضة مكانها وسط حالة من التعنت الإثيوبي المستمر، تصاعدت مؤخراً تحذيرات من خبراء ومسؤولين مصريين بشأن ما وصفوه بـ “الفخ الجديد”. هذا المخطط، حسب رؤيتهم، لا يستهدف فقط التحكم في تدفقات المياه، بل يرمي إلى تغيير الطبيعة القانونية لنهر النيل، وتحويله من شريان حياة وحق تاريخي للدول المشاطئة إلى “سلعة تجارية” تخضع لمنطق البيع والشراء وقوانين العرض والطلب.

استراتيجية “عنتيبي” وإعادة تقسيم الحصص

يرى الدكتور محمد نصر علام، وزير الري المصري الأسبق، أن التحركات الإثيوبية الأخيرة، سواء فيما يتعلق بسد النهضة أو التمسك باتفاقية “عنتيبي”، ليست مجرد إجراءات فنية، بل هي أدوات سياسية مدروسة لإعادة رسم خريطة توزيع مياه النيل. الهدف هنا واضح: إلغاء الاتفاقيات التاريخية التي تضمن حصص مصر والسودان، واستبدالها بنظام جديد يفرض على دول المصب شراء مياهها.

الحقيقة أن إثيوبيا لا تبدو مهتمة بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن مصالح الجميع، بل تفضل سياسة فرض الأمر الواقع. وفي هذا السياق، يرى علام أن المخرج الوحيد لكسر هذا المخطط هو تحييد الموقف الإثيوبي عبر اتفاق شامل؛ لا يقتصر فقط على الجوانب الفنية للسد، بل يمتد ليشمل تعاوناً اقتصادياً وسياسياً واسعاً، كربط شبكات الكهرباء، مما يجعل التعاون أكثر ربحية لجميع الأطراف من الصدام.

القانون الدولي في مواجهة “التسليع”

من جانبه، يضع الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي، النقاط على الحروف فيما يخص الشرعية الدولية. فالفكرة التي تروج لها أديس أبابا بشأن بيع المياه تصطدم مباشرة مع مبادئ القانون الدولي للمياه. مصر، بحكم التاريخ والجغرافيا، هي “شريك أصيل” في النهر وليست مجرد زبون منتظر.

إن اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية لعام 1997، وحتى إعلان المبادئ الذي وقع في الخرطوم عام 2015، يؤكدان على مبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول”. لا يوجد في قاموس القانون الدولي ما يشرعن تحويل الأنهار الدولية إلى سلع تجارية. ويحذر مهران من أن أي قبول بفكرة الشراء، ولو بشكل رمزي، يعني تنازلاً طوعياً عن حقوق تاريخية راسخة، وتحويل الأمن القومي المائي إلى ورقة مساومة سياسية يمكن استغلالها لرفع الأسعار أو حتى قطع الإمدادات في أوقات الأزمات.

دروس من تجارب عالمية: نموذج سد “واهياوا”

بينما يواجه النيل تحديات سياسية وقانونية، تبرز قصص أخرى من مناطق بعيدة مثل هاواي، تذكرنا بأهمية الإدارة الحكومية للموارد المائية لضمان سلامة المجتمعات. ففي واقعة حديثة، تدخلت ولاية هاواي للاستحواذ على سد “واهياوا” وخزانه من القطاع الخاص (شركة دول للأغذية)، بعد أن كاد السد أن ينهار بسبب الفيضانات الأخيرة.

هذه الخطوة، التي ستكلف دافعي الضرائب أكثر من 20 مليون دولار للإصلاحات، تعكس حقيقة أن موارد المياه لا يمكن تركها لشركات خاصة تبحث عن الربح وتتهرب من مسؤوليات الصيانة. الدولة هناك قررت بسط سيطرتها لضمان استدامة الزراعة وحماية السكان، وهو ما يعزز فكرة أن المياه “أصل استراتيجي” يجب أن تظل تحت سيادة وضمانة الدولة، لا أن تُترك لأهواء السوق أو ضغوط الشركات.

حماية الحقوق التاريخية

إن محاولات تصوير اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان كـ “إرث استعماري” هي مغالطة تاريخية وقانونية تفندها المحافل الدولية. فهذه الاتفاقيات، التي خصصت لمصر 55.5 مليار متر مكعب، ليست منحة بل هي تقنين لاستخدامات فعلية ومستمرة منذ آلاف السنين. القانون الدولي يحمي “الاستخدامات التاريخية”، ومحكمة العدل الدولية أكدت في أحكام سابقة أن هذه الحقوق تظل محمية حتى في غياب معاهدات حديثة.

في النهاية، يبقى التحدي أمام القاهرة والخرطوم هو التصدي لمحاولات “تسليع” النهر، والتمسك بالمسار السياسي والقانوني الذي يضمن بقاء النيل نهراً دولياً مشتركاً، لا متجراً تبيع فيه دول المنبع قطرات المياه لمن يدفع أكثر.