Thursday, January 8th, 2026

عام 2026 يفتح أبواب الفضاء.. مهام تاريخية لـ “ناسا” وبدء عصر المحطات التجارية

مع دخولنا عام 2026، يبدو أن قطاع الفضاء على موعد مع أحداث استثنائية تجمع بين التقاليد الراسخة لمحطة الفضاء الدولية وبين الخطوات الأولى الجريئة نحو مستقبل جديد كلياً تقوده الشركات الخاصة. فبينما تستعد وكالة “ناسا” لتدشين العام بمهام سير في الفضاء تحمل طابعاً تاريخياً، تلوح في الأفق ملامح تغيير جذري ستشهده السنوات القادمة في مدار الأرض المنخفض.

أرقام قياسية ودماء جديدة في المهمة المقبلة

تتجه الأنظار يوم الخميس، الثامن من يناير، صوب محطة الفضاء الدولية، حيث يستعد رائدا الفضاء مايك فينكه وزينا كاردمن للخروج من المختبر المداري في أولى مهام السير في الفضاء لهذا العام. هذه المهمة، التي ستنقلها “ناسا” في بث حي، ليست مجرد إجراء روتيني؛ فهي تمثل محطة مفصلية في مسيرة مايك فينكه، إذ سيقوم بمهمته العاشرة خارج المركبة، ليعادل بذلك الرقم القياسي المسجل باسم بيغي ويتسون كأكثر رواد “ناسا” قياماً بعمليات السير في الفضاء.

على الجانب الآخر، ستخوض زينا كاردمن تجربتها الأولى على الإطلاق في مواجهة فراغ الفضاء، حيث سيرتدي فينكه بدلة ذات خطوط حمراء لتمييزه، بينما ستكون بدلة كاردمن غير مميزة. وتهدف هذه المهمة المشتركة، التي تعد الأولى من أصل اثنتين مقررتين في شهر يناير، إلى التمهيد لتركيب ألواح شمسية جديدة لضمان استمرار كفاءة الطاقة في المحطة. وتأتي هذه الخطوة بعد آخر نشاط مشابه قام به رائدا فضاء روسيان في أكتوبر الماضي، لتكون المهمة القادمة هي رقم 278 في تاريخ المحطة الطويل.

المختبر المداري.. ربع قرن من الإنجازات

لقد كانت محطة الفضاء الدولية، التي تسبح في مدار أرضي منخفض على ارتفاع يقارب 260 ميلاً، بمثابة منزل لرواد الفضاء من جميع أنحاء العالم لأكثر من 25 عاماً. هذا الصرح العملاق، الذي يتجاوز طوله 356 قدماً، أي أكبر من منزل مكون من ست غرف نوم، يضم مرافق متكاملة تشمل ستة أماكن للنوم، حمامين، صالة رياضية، ونافذة بانورامية توفر رؤية بزاوية 360 درجة لكوكبنا الأزرق.

وعلى مدار تاريخها، استقبلت المحطة أكثر من 280 رائداً من 26 دولة، كان نصيب الولايات المتحدة منهم 170 رائداً، وشكلت نموذجاً فريداً للشراكة العالمية بين وكالات الفضاء الكبرى مثل “ناسا”، “روسكوزموس” الروسية، وكالة الفضاء الأوروبية، ونظيرتيهما اليابانية والكندية. ورغم كونها منصة لا مثيل لها للأبحاث العلمية في ظل انعدام الجاذبية، إلا أن هذا النموذج الاقتصادي والتشغيلي يواجه تحديات حقيقية مع اقتراب نهاية العمر الافتراضي للمحطة.

بداية حقبة المحطات التجارية

في الوقت الذي يستمر فيه العمل الدؤوب على متن المحطة الحالية، يشير الخبراء إلى أن عام 2026 سيشهد بداية فعلية لعصر المحطات الفضائية التجارية. فبعدما كانت محطة الفضاء الدولية الوجهة الوحيدة للبشر والتجارب العلمية في المدار المنخفض لعقود، تستعد شركات القطاع الخاص لملء الفراغ المرتقب مع تخطيط “ناسا” لإخراج المحطة من الخدمة بحلول نهاية العقد الحالي.

وفي هذا السياق، تؤكد ماري غونتر، رئيسة سياسات الفضاء في معهد السياسة التقدمية، أن عام 2026 سيكون بداية تحليق المعدات الجديدة التي تم تطويرها بشراكة مع “ناسا” لسنوات. هذا التحول يعني أن البنية التحتية للفضاء لن تظل حكراً على الحكومات، بل ستلعب الشركات الخاصة دوراً محورياً في إدارتها وتشغيلها، مما سيوفر بدائل أكثر استدامة وفعالية من حيث التكلفة.

الاقتصاد يفرض كلمته

لم يعد الفضاء مجرد ساحة للاستكشاف العلمي فحسب، بل تحول إلى سوق واعدة ونموذج اقتصادي جديد. ويرى كولن سميث، الرئيس التنفيذي لشركة “فاست” الفضائية، أن الجميع يسابق الزمن نحو عام 2030، موضحاً أن التكلفة الباهظة لمحطة الفضاء الدولية الحالية لم تعد مستدامة. ويشير سميث بصراحة إلى أن المحطة تعتبر “أغلى شيء بنته البشرية”، مؤكداً صعوبة تحقيق مستقبل يزدهر فيه التصنيع الفضائي والتجارة إذا كانت تكلفة إيواء سبعة أشخاص تصل إلى 150 مليار دولار.

لذا، تهدف المحطات التجارية القادمة إلى تقديم حلول أقل تكلفة، مما يفتح الباب أمام صناعات جديدة تشمل السياحة الفضائية والتصنيع في بيئة الجاذبية الصغرى.

استراتيجية “ناسا” الجديدة

يأتي هذا التحول متماشياً تماماً مع استراتيجية “ناسا” الأوسع، التي تركز الآن على دفع حدود الاستكشاف البشري نحو الفضاء العميق، وتحديداً العودة إلى القمر عبر برنامج “أرتميس” ومن ثم الوصول إلى المريخ. ولتحقيق ذلك، بدأت الوكالة في الاعتماد المتزايد على القطاع الخاص لإدارة الأنشطة في المدار الأرضي المنخفض، حيث أثبتت شراكاتها السابقة مع شركات مثل “سبيس إكس” نجاحاً كبيراً في نقل الرواد والبضائع. ومن المنتظر أن يتحول دور “ناسا” تدريجياً من مشغل للبنية التحتية إلى شريك وميسّر، تاركة المجال للشركات التجارية لقيادة المشهد في مدار الأرض، بينما تتفرغ هي لمهام استكشاف المجهول في أعماق الكون.