يضرب عشاق الفلك والظواهر الطبيعية موعداً مع وجبة دسمة من التأمل والاكتشاف، فبينما تتزين سماء الليل الهادئة بعرض بصري خلاب يمكن رصده بالعين المجردة، يعكف العلماء في الأروقة البحثية على فك طلاسم إشارات قادمة من أعماق مجرتنا قد تعيد تشكيل فهمنا لقوانين الفيزياء الكونية.
ثلاثية النجوم المتلألئة
مع حلول المساء وغروب شمس اليوم، تتحول الأنظار نحو الأفق لترقب مشهد بديع تشق فيه ثلاثة نجوم لامعة طريقها عبر القبة السماوية، في ظاهرة تتسم بتلاعب لوني مثير. ووفقاً لما رصدته الجمعية الفلكية بجدة، فإن نجم “السماك الرامح” يتصدر المشهد كواحد من أبرز هذه النجوم التي تومض بألوان متعددة في هذا التوقيت من العام.
يمكن للمراقبين ملاحظة هذا النجم بوضوح في الأفق الشمالي الغربي، تحديداً في الجهة العليا اليمنى من موقع غروب الشمس. ولا يقتصر العرض السماوي على ذلك، بل يلحق به نجم “العيوق” الذي يطل من الأفق الشمالي الشرقي مع انتصاف الليل، ليكتمل المشهد فجراً بظهور “الشعرى اليمانية” في الأفق الجنوبي.
لماذا تتراقص الألوان؟
وفي سياق تفسير هذه الظاهرة البصرية، أوضح المهندس ماجد أبو زهرة، رئيس الجمعية الفلكية بجدة، أن السر يكمن في انخفاض هذه النجوم في السماء خلال هذا الموسم. فعندما نرصد جسماً سماوياً قريباً من الأفق، يضطر ضوؤه للمرور عبر طبقات كثيفة من الغلاف الجوي للأرض، مما يعمل عمل المنشور الزجاجي الذي يكسر الضوء ويفصله إلى أطياف ملونة، وهو ما يجعلها تبدو للناظر وكأنها تلمع بألوان شتى، على العكس من الأجسام المرتفعة في كبد السماء.
ويعد “السماك الرامح” عملاقاً برتقالياً يفوق حجم شمسنا بـ 26 مرة، ورغم ضخامته الهائلة، فإنه يظهر كنقطة ضوئية صغيرة نظراً للمسافة الشاسعة التي تفصلنا عنه والبالغة 37 سنة ضوئية. ومن المنتظر أن يستمر رصد هذا النجم خلال الأسابيع المقبلة من شهر أكتوبر، حيث سيلاحظ الراصدون انخفاضه التدريجي يوماً تلو الآخر.
رسائل من قلب المجرة
وعلى صعيد آخر، بعيداً عن رصد الهواة وبالانتقال إلى المعامل البحثية المعقدة، يبدو أن قلب مجرة درب التبانة يخفي أسراراً أعظم بكثير من مجرد ألوان متلألئة. فقد التقط العلماء إشارة راديو غامضة يعتقدون أنها قد تكون المفتاح لاختبار دقة “النسبية العامة” لألبرت آينشتاين في أكثر البيئات تطرفاً في الكون.
يرجح الباحثون أن هذه الإشارة صادرة عن “نجم نيوتروني نابض” (Pulsar)، وهو عبارة عن نواة نجمية قديمة تدور بسرعة هائلة، وتقع بالقرب من الثقب الأسود العملاق “Sagittarius A*” الذي يتربع في مركز مجرتنا بكتلة تعادل 4 ملايين شمس. هذا الاكتشاف النادر، الذي نُشرت تفاصيله في “مجلة الفيزياء الفلكية”، جاء نتاج عمل دؤوب بقيادة كارين بيريز، الباحثة بمعهد SETI، والتي كانت طالبة دكتوراه في جامعة كولومبيا إبان إجراء البحث.
منارات كونية لاختبار الجاذبية
تُعرف النجوم النابضة بكونها “منارات كونية” تطلق حزماً من الانبعاثات الراديوية مع كل دورة لها، حيث يكمل النجم المكتشف دورته حول محوره في زمن قياسي يبلغ 8.19 مللي ثانية فقط. وهنا تكمن الأهمية القصوى للاكتشاف؛ فوجود نجم نابض بهذا القرب من ثقب أسود هائل يتيح للعلماء فرصة ذهبية لقياس انحناء “الزمكان” بدقة متناهية.
وفي هذا الصدد، يشير سلافكو بوجدانوف، الباحث المشارك من مختبر كولومبيا للفيزياء الفلكية، إلى أن دوران النجم النابض بهذه السرعة يجعله حساساً للغاية لقوى الجاذبية الهائلة للأجسام المجاورة. فمن الناحية النظرية، قد يُحدث دوران النجم “شذوذاً” في نبضات الضوء التي يرسلها نحو الأرض، إذ يتوقع أن تنحرف النبضات وتعاني من تأخير زمني بسبب تشوه الزمكان عند مرورها قرب جسم فائق الكتلة، تماماً كما تنبأت نظرية آينشتاين.
الجدير بالذكر أن هذا الاكتشاف تم عبر برنامج “Breakthrough Listen” المخصص للبحث عن إشارات لحضارات خارج كوكب الأرض، حيث أتاح البرنامج البيانات للعامة، مما يفتح الباب أمام الباحثين حول العالم لإجراء تحليلات مستقلة للتأكد مما إذا كانت الإشارة بالفعل لنجم نابض أم لمصدر راديوي غريب آخر.