حالة من الزخم الملحوظ تسيطر على أسواق المال الإقليمية والعالمية هذه الأيام، فشهية المستثمرين تبدو مفتوحة بقوة لاستقبال دماء جديدة في البورصات. المشهد يبدأ من قلب السوق السعودية التي تواصل استقطاب كبرى الشركات العقارية والمقاولات لتوسيع قاعدتها، ويمتد إلى أروقة وول ستريت التي تترقب الحدث الأبرز في قطاع التكنولوجيا والمتمثل في طرح عملاق شرائح الذكاء الاصطناعي. هذا التنوع الواسع في الطروحات يعكس بوضوح اتجاهات السيولة النقدية التي تبحث بشغف عن فرص نمو واعدة، سواء في القطاعات التقليدية الصلبة أو في قلب التقنيات المستقبلية.
انتعاشة جديدة في “تداول”
التحركات في السوق السعودية بدأت تأخذ وتيرة متسارعة، حيث أصدرت هيئة السوق المالية موافقتها على خطوة ضخمة تتمثل في طرح أسهم ثلاث شركات بارزة للاكتتاب العام دفعة واحدة. نحن نتحدث هنا عن كيانات لها وزنها؛ فشركة “الديار العربية للتطوير العقاري” تستعد لتسجيل أسهمها وطرح 97.5 مليون سهم، وهو رقم يوازي 30% من إجمالي أسهمها في السوق الرئيسية. ولم تقتصر هذه الانتعاشة على قطاع العقارات، بل امتدت بقوة لقطاع المقاولات، إذ حصلت شركة “مطلق الغويري” على الضوء الأخضر لطرح 240 مليون سهم، لتمثل نفس النسبة من حجم الشركة. وعلى نفس المنوال، جاء الدور على شركة “دار البلد لحلول الأعمال” التي ستطرح 21 مليون سهم للاكتتاب، لتكمل بذلك المشهد الاستثماري الجديد في المملكة.
شفافية الطرح وحماية المستثمر
الهيئة السعودية من جانبها كانت حريصة جداً على وضع النقاط على الحروف قبل بدء ماراثون الاكتتاب. فقد أكدت أن نشرات الإصدار الخاصة بهذه الشركات ستكون متاحة للجمهور قبل وقت كافٍ، وهي وثائق دسمة تضم كل التفاصيل المالية والإدارية التي يحتاجها أي مستثمر ليقرر أين يضع أمواله. الهيئة حذرت بلهجة صريحة من مغبة التسرع ودخول الاكتتاب دون دراسة متأنية لهذه النشرات، لأن الاستثمار في النهاية يحمل بين طياته مخاطر لا يستهان بها. ونصحت من يجد صعوبة في استيعاب التفاصيل الفنية باللجوء فوراً لمستشار مالي مرخص. فضلاً عن ذلك، أوضحت أن موافقتها على الطرح ليست بأي حال من الأحوال شهادة ضمان لنجاح الاستثمار، بل هي مجرد إقرار بأن الشركات استوفت الشروط القانونية، وأعطت مهلة ستة أشهر كحد أقصى لإتمام عملية الطرح وإدراج الأسهم وإلا ستعتبر الموافقة لاغية.
“سيريبراس” تقتحم بورصة التكنولوجيا
على الجانب الآخر من العالم، الأنظار كلها مشدودة نحو الخطوة المرتقبة لشركة “سيريبراس” (Cerebras)، صانعة رقائق الذكاء الاصطناعي، التي قدمت أوراقها رسمياً لاكتتاب عام ضخم. الشركة تستهدف تقييماً سوقياً يبلغ 35 مليار دولار، في قفزة ملحوظة بعد أن كان آخر تقييم لها يقف عند 23 ملياراً. الطرح ده بالذات له أهمية خاصة، لأنه يعتبر أول اكتتاب كبير مدعوم برأس مال جريء في حقبة الذكاء الاصطناعي التوليدي. طموحات “سيريبراس” تتجاوز هذه الأرقام بكثير، فنشرة إصدارها تكشف عن خطة للوصول إلى تقييم خيالي يبلغ 250 مليار دولار مستقبلاً. وهناك حوافز مالية ضخمة تلعب دوراً في الكواليس؛ فالرئيس التنفيذي أندرو فيلدمان والمدير التكنولوجي شون لاي بانتظار مكافآت مليارية من الأسهم إذا تمكنوا من الصعود بتقييم الشركة إلى مستويات 75 و150 و250 مليار دولار على التوالي خلال تسع سنوات.
صفقات مليارية تعيد تشكيل السوق
في السابق، كانت هناك مخاوف تدور في أروقة المستثمرين حول اعتماد “سيريبراس” بشكل مبالغ فيه على إيراداتها القادمة من أبوظبي. الأوراق الجديدة للطرح بددت هذه المخاوف بشكل شبه كامل بعد الكشف عن إبرام عقود استراتيجية مع عملاقين بحجم “أوبن إيه آي” (OpenAI) وخدمات أمازون السحابية (AWS). تفاصيل صفقة “أوبن إيه آي” وحدها كفيلة بلفت الانتباه، حيث تبلغ قيمتها 20 مليار دولار، وهو رقم ضخم يجعل إيرادات “سيريبراس” التي سجلت حوالي 510 ملايين دولار العام الماضي تبدو متواضعة جداً أمامه.
القصة لا تتوقف هنا، فشركة “أوبن إيه آي” غير مطالبة بإنفاق العشرين ملياراً دفعة واحدة لتحصل على حصة محتملة تصل إلى 10% في صانعة الرقائق. في الواقع، يمتلك فريق سام ألتمان بالفعل إمكانية الوصول إلى حوالي سدس هذه الحصة بفضل اتفاق مسبق لإقراض “سيريبراس” مليار دولار. وهناك نسبة أخرى تقارب 17% من أسهم “أوبن إيه آي” في الشركة ستكون متاحة إذا نجحت “سيريبراس” في الحفاظ على تقييم متوسط يبلغ 40 مليار دولار لمدة شهر واحد، وهو رقم قريب جداً من هدف الطرح الحالي البالغ 35 ملياراً، خاصة في ظل هدوء الساحة من أي اكتتابات تقنية ضخمة أخرى قد تسحب السيولة من السوق. ولو قررت “أوبن إيه آي” الاستحواذ بالكامل على سعة حوسبة الذكاء الاصطناعي البالغة 2 جيجاوات، فسيكون بإمكانها الحصول على باقي حصتها في الشركة.
هذا السيناريو يعيد للأذهان اتفاقاً شبيهاً أبرمته “أوبن إيه آي” مع شركة “إيه إم دي” (AMD) العام الماضي، والذي منحها فرصة الاستحواذ على 10% من أسهم الشركة شريطة تسليم منتجات معينة من معالجات الرسوميات ووصول سعر سهم “إيه إم دي” إلى 600 دولار، وهو ما اعتبره الخبراء حينها مناورة ذكية لتمويل مشترياتها من الرقائق. أخيراً، تظل تركيبة المستثمرين الداعمين لشركة “سيريبراس” نقطة قوة واضحة، إذ تضم هيكلة الملكية أسماء ثقيلة في عالم الاستثمار مثل “ألفا ويف فينتشرز”، و”بينشمارك”، و”إكليبس فينتشرز”، و”فيديليتي”، و”فاونديشن كابيتال”، مما يضعها في منافسة مباشرة وشرسة مع شركات مثل “كور ويف” التي شهد اكتتابها العام الماضي هيمنة واضحة من مستثمري الكروس أوفر.