بطولة الـ PGA التي استضافتها ملاعب أرونيمينك نهاية الأسبوع لم تكن مجرد محطة عادية في تقويم الجولف. صحيح أن الإنجليزي آرون راي خطف الأضواء بعدما كسر صياماً دام 107 سنوات للنجاح الإنجليزي —وتحديداً منذ تتويج جيم بارنز في 1919— ليحصد لقبه الكبير الأول بأداء درامي في الجولة الأخيرة؛ إلا أن هذه البطولة وخلف كواليس التتويج، كشفت عن وجهين متناقضين تماماً في عالم الاحتراف: طيش الشباب والتخبط الإداري من جهة، وصلابة المخضرمين وقدرتهم الخرافية على البقاء من جهة أخرى.
ضريبة التأخير وحسبة “الثانية الواحدة”
لندخل مباشرة في تفاصيل دراما اللاعب الجنوب أفريقي غاريك هيغو، الذي عاش أسوأ كوابيسه صباح الخميس. الشاب ببساطة لم يتواجد عند نقطة الانطلاق الأولى في وقته المحدد، وهو ما كلفه عقوبة بضربتين وفقاً للقاعدة 5.3a. المثير للشفقة هنا أنه في النهاية فشل في تجاوز التصفيات بفارق ضربة واحدة فقط. المشكلة لم تتوقف عند التأخير، بل امتدت لتبريراته التي تصدرت العناوين الرياضية. هيغو خرج بتصريح غريب عقب الجولة الافتتاحية وقال حرفياً:
“لو كنت أعرف أنني متأخر لم أكن لأتأخر.. أنا كنت هناك في الموعد، ولكن القانون يقول إنك لو تأخرت ثانية واحدة فأنت متأخر. لذا، لو حسبتها بعقلك، أنا كنت في ميعادي، فاهمني؟”
هذا التصريح كان كفيلاً بأن يجعل المتابعين يضربون كفاً بكف، لكن التبعات لم تنتهِ هنا. شبكة “جولف ويك” أكدت أن هيغو قرر الانفصال عن حامل مضاربه (الكادي) أوستن غوجرت. قرار يبدو مجحفاً، خاصة أن التقارير الميدانية أكدت أن غوجرت كان يصرخ في هيغو ليركض نحو نقطة الانطلاق، أي أن الرجل لا ذنب له في هذه العقوبة العبثية. شراكة الثنائي كانت ناجحة بالمناسبة؛ فغوجرت كان يحمل حقيبته عندما حقق هيغو لقبه الثاني في جولة PGA ببطولة كوراليس بونتاكانا العام الماضي. غوجرت لن يجلس في المنزل طويلاً، فسيرته الذاتية تضم أسماء ثقيلة حمل مضاربهم مسبقاً مثل باتريك رودجرز، رايان مور، أليكس نورين وأوستن سموذرمان.
أما هيغو، فقد قرر العودة إلى دفاتره القديمة وسيتعاون مجدداً مع نيك كافينديش-بيل في بطولة CJ Cup Byron Nelson هذا الأسبوع. نيك —الذي عمل مؤخراً مع أدريان سادييه بعد فترة مع باتريك رودجرز— يملك تاريخاً ممتازاً في بدايات هيغو؛ حيث رافقه في انتصاراته الثلاثة بجولة موانئ دبي العالمية، وكان حاضراً في بطولة بالميتو 2021 عندما خطف اللاعب الأعسر ذو الضربات الساحقة لقبه الأول في الـ PGA.
مائة بطولة كبرى.. أسطورة الرجل الحديدي
على النقيض تماماً من حالة الفوضى تلك، وفي ذات الملعب بأرونيمينك، كان هناك أسطورة يكتب تاريخاً من نوع آخر. الأسترالي آدم سكوت، المصنف الأول على العالم سابقاً، قدم أداءً مهزوزاً لينهي البطولة بـ 8 ضربات فوق المعدل، ولم يشكل أي تهديد حقيقي على صدارة الترتيب في بطولة أفرزت بطلاً مفاجئاً. في العادة، أداء كهذا قد يحبط أي لاعب وتعتبره الصحافة تذكيراً قاسياً بمدى قدرة بطولات الجولف الكبرى على إذلال حتى أعظم أساطيرها. لكن بحلول يوم الاثنين، تغيرت السردية بالكامل.
سكوت حجز تذكرته رسمياً لبطولة أمريكا المفتوحة (U.S. Open) لعام 2026 التي ستقام في شينيكوك هيلز. هذه التذكرة لا تمثل مجرد تأهل روتيني، بل تضمن مشاركته رقم 100 على التوالي في البطولات الكبرى. هذا الرقم يضعه في مكانة شبه خيالية، فلا يسبقه في هذا الإنجاز سوى الأسطورة جاك نيكلوس، المحتفظ بالرقم القياسي التاريخي بـ 146 مشاركة متتالية. رحلة سكوت الحديدية بدأت من بطولة بريطانيا المفتوحة عام 2001. تخيل معي حجم الإنجاز بلغة الرياضة: أجيال تتغير، ترسانات من معدات الجولف تتطور، طرق لعب تندثر وتظهر.. وفي وسط كل هذه التحولات، آدم سكوت كان دائماً حاضراً.
اللاعب صاحب الحضور الأنيق يمتلك في رصيده بطولة كبرى واحدة، وهي لقب الماسترز التاريخي في 2013 حين قهر أنخيل كابريرا في جولة فاصلة ليصبح أول أسترالي يرتدي الجاكيت الأخضر. تربع 11 أسبوعاً على قمة التصنيف العالمي في 2014، وحصد 14 لقباً في جولة الـ PGA. أرقامه تعكس استمرارية مرعبة:
ناهيك عن المرات التي كان فيها قاب قوسين أو أدنى من اللقب. وملعب شينيكوك هيلز الذي سيستضيف مئويته ليس غريباً عليه، فهو يتقاسم بالفعل الرقم القياسي لأقل عدد ضربات تنافسية على أرضه.
في زمن شكلته الإصابات، الجداول المضغوطة، والانقسامات التي ضربت بطولات المحترفين، أن تحافظ على مكانك ومستواك لربع قرن هو إنجاز يوازي، بل وربما يفوق، الفوز بالبطولات ذاتها. هل يمكن لسكوت أن يلحق برقم نيكلوس؟ مطاردة الرقم 146 تبدو مرعبة، لكن في وقت من الأوقات، كان الوصول للبطولة رقم 100 مجرد مطاردة مرعبة أيضاً.