المذاق المصري يكتسح الأسواق الأميركية
شهدت الأسواق الأميركية مؤخراً إقبالاً غير مسبوق على الأكلات الشعبية المصرية. المطبخ المصري لم يعد مقتصراً على عربات طعام بسيطة يديرها المهاجرون في شوارع نيويورك كما كان الحال في الثمانينيات. اليوم، تحولت أطباق مثل الكشري والفلافل، وعلى رأسها الخبز البلدي، إلى واحدة من أسرع موجات الطعام انتشاراً في الولايات المتحدة. التغير الملحوظ في مزاج المستهلك الأميركي وبحثه الدائم عن الأطعمة النباتية ذات المكونات البسيطة والأصيلة، فتح الباب واسعاً أمام هذه المنتجات لتثبت أقدامها بقوة.
منصات التواصل الاجتماعي ساهمت بدور فعال في هذا الانتشار الواسع. فيديوهات تجربة الحواوشي لأول مرة ومقاطع الفطير المشلتت تتصدر مشاهدات “تيك توك” و”إنستغرام”. المفاجأة الكبرى جاءت في أغسطس 2025، حين وضعت سلسلة متاجر “Trader Joe’s” الأميركية الشهيرة الخبز البلدي المصري على رفوفها تحت اسم “Baladi Egyptian Sourdough Pocket Bread”. المنتج الذي يباع بسعر 2.59 دولار للعبوة ويحمل عبارة “صنع في مصر”، حقق مبيعات قياسية وحصد تقييمات استثنائية، وسط احتفاء كبير من الجالية المصرية بعودة رغيفهم المفضل إلى موائدهم.
المهندس أحمد مصطفى، وهو مواطن مصري مقيم في ولاية فيرجينيا، يرى أن ما يحدث يمثل ثورة حقيقية لصالح الجالية. قديماً كان سعر الرغيف يصل إلى دولار كامل في بعض المناطق، بينما اليوم توفرت خيارات أفضل بأسعار أقل، لدرجة دفعت بعض المتاجر لفرض حد أقصى للمشتريات بسبب الإقبال الكثيف، تزامناً مع توسع ملحوظ في افتتاح المطاعم المصرية التي تلبي الطلب المتزايد على الأطعمة النباتية.
توسع استثماري وأرقام تصديرية قياسية
هذا الطلب المتزايد لم يأتِ من فراغ، بل تدعمه جهود شركات مصرية كبرى قررت اقتحام السوق الأميركية بقوة لاستعادة هوية الخبز البلدي وجعله جزءاً من النظام الغذائي اليومي. جيلبار حبيقة، الرئيس التنفيذي لشركة “ريتش بيك”، أوضح أن فكرة التصدير بدأت عام 2023 بناءً على طلب مستورد أميركي. وبعد سلسلة من دراسات العمر التخزيني واستخراج الموافقات، انطلقت الشراكة بنجاح. الشركة تصدر حالياً نحو 30 حاوية من الخبز البلدي شهرياً، إلى جانب 10 حاويات لمنتجات أخرى متنوعة، مع حفظ المنتج في درجة حرارة 18 تحت الصفر لضمان جودته.
الخبز البلدي تجاوز السوق الأميركية ليصل إلى كندا، المملكة المتحدة، هولندا، وألمانيا. هذا التوسع انعكس بشكل مباشر على إيرادات الشركة، حيث تضاعف حجم الصادرات وارتفعت المبيعات الإجمالية بنسبة 33% في 2025، مع توقعات بزيادة الصادرات ثلاثة أضعاف خلال 2026. وتستهدف الشركة ضخ استثمارات تصل إلى 750 مليون جنيه خلال عام 2026، منها 375 مليوناً للتعاقد مع شركة “AMF” لرفع الطاقة الإنتاجية بنسبة 20%، إلى جانب العمل على إنشاء مصنع جديد في مدينة السادس من أكتوبر باستثمارات تتجاوز 45 مليون دولار، ليكون بطاقة إنتاجية توازي ضعف المصانع الثلاثة الحالية.
النجاح في التصدير امتد ليشمل قطاع الغذاء المصري بالكامل. ففي أسبوع واحد فقط، بين 28 مارس و3 أبريل 2026، سجلت الصادرات الغذائية أداءً استثنائياً. تقارير الهيئة القومية لسلامة الغذاء كشفت عن تصدير نحو 230 ألف طن من الأغذية عبر 5065 رسالة جمركية لصالح 1400 شركة. الصادرات شملت 730 صنفاً تنوعت بين المنتجات الطازجة والمصنعة والدقيق. الفواكه استحوذت على 70 ألف طن، تصدرتها الموالح بـ 45 ألف طن والفراولة بـ 20 ألف طن. الخضروات سجلت 55 ألف طن، جاءت البطاطس في مقدمتها بـ 25 ألف طن، تليها البطاطا والفاصوليا بـ 5 آلاف طن لكل منهما.
المنتجات المصرية وصلت إلى 186 دولة، على رأسها السعودية، روسيا، سوريا، هولندا، والأردن. هذا النشاط اللوجستي القوي دعمه ميناء دمياط بتعامله مع 830 شحنة، وسفاجا بـ 767 شحنة، والإسكندرية بـ 642 شحنة. ولتعزيز تنافسية المنتجات، أصدرت الهيئة 1375 شهادة صحية مطابقة للمعايير الدولية، ومنحت 3218 تصريح تصدير زراعي استفادت منها 1582 شركة.
تأمين المخزون الاستراتيجي ورقابة صارمة
بموازاة هذا الطفرة التصديرية، تعمل الدولة بآليات مكثفة لتأمين احتياجات السوق المحلي من السلع الاستراتيجية الأساسية لضمان استمرار عجلة الإنتاج وتلبية الطلب المتزايد. الأسبوع ذاته شهد تدفقاً مستقراً للواردات الغذائية، حيث استقبلت الموانئ المصرية 510 آلاف طن من الأغذية عبر 2440 رسالة جمركية تعود لـ 995 شركة مستوردة. القمح، الزيوت الصالحة للأكل، وفول الصويا شكلت النسبة الأكبر من هذه الواردات.
روسيا احتلت صدارة قائمة الدول الموردة لمصر، وجاءت بعدها فرنسا، أوكرانيا، بلغاريا، والأرجنتين، من بين 90 دولة زودت السوق المصري باحتياجاته. ميناء الإسكندرية كان البوابة الأنشط في استقبال الشحنات بإجمالي 860 رسالة، تلاه مطار القاهرة الدولي بـ 545 شحنة، ثم ميناء السويس بـ 311 شحنة.
التدفق الكبير للسلع رافقه تكثيف للإجراءات الرقابية من قبل الهيئة القومية لسلامة الغذاء لحماية صحة المستهلكين. تم الإفراج عن 1286 شحنة تحت التحفظ المؤقت، وعولجت 672 شحنة بنظام التخليص السريع لضمان سرعة التداول دون المساس بالرقابة. كما تم البت في 100 حالة عبر لجنة التظلمات، مع إصدار تراخيص استيراد لـ 119 شركة لضمان امتثالها للمعايير المعتمدة. الهيئة لم تتهاون في الفحص، حيث احتجزت 256 رسالة لمزيد من التدقيق المعملي، ورفضت 27 شحنة لعدم مطابقتها للمواصفات، وأعادت تصدير 5 منها فوراً لمنع التكدس في الموانئ والحفاظ على انسيابية اللوجستيات بمعايير سلامة لا تقبل المساومة.