Monday, June 15th, 2026

فخ السيولة السريعة: من حسبة البنوك المركزية المعقدة إلى طوق النجاة في الخرطوم

هناك حسبة معقدة وتناقض غريب بيحكم تفكير كتير من مسؤولي البنوك المركزية في العالم حالياً. من ناحية، عندهم رغبة ملحة في تقليص ميزانياتهم العمومية عشان يقللوا من تدخلهم في الأسواق ويسحبوا كميات الفلوس الضخمة اللي تم ضخها بعد أزمة 2008 ووباء 2020. لكن على الناحية التانية، نفس المسؤولين دول بيدعموا وبقوة تسريع عمليات الدفع الرقمي، بما فيها الاعتماد على الدفاتر الرقمية أو البلوكتشين. الفكرة هنا إن الهدفين دول غالباً عكس بعض ومش هيمشوا في نفس السكة زي ما هما متخيلين.

الواقعة الأخيرة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بتلخص الأزمة دي. الراجل اللي قاد أول اجتماع ليه لتحديد أسعار الفائدة الأسبوع اللي فات، دايماً بيدفع باتجاه تقليص ميزانية البنك المركزي بشكل حاسم. لكن على أرض الواقع، فكرة إنك تخفض المعروض النقدي من غير ما تعمل زلزال في أسواق المال أثبتت إنها شبه مستحيلة. طبيعة التمويل والقواعد التنظيمية وإدارة المخاطر اتغيرت، والطلب على السيولة دلوقتي بقى أشرس بكثير من فترة ما قبل 2008. وشفنا ده بوضوح أواخر السنة اللي فاتت؛ لما إجمالي أصول الفيدرالي نزلت لـ 6.5 تريليون دولار بعد ما كانت في قمتها عند 9 تريليون دولار في 2022، حصلت قفزة مرعبة في أسعار التمويل قصير الأجل أجبرت المسؤولين إنهم يتراجعوا ويتدخلوا تاني، ورجعت الميزانية العمومية ترفع لـ 6.7 تريليون دولار.

اللي بيحصل ده نقدر نعتبره تطور جديد لسيناريو عشناه في التمانينيات والتسعينيات. وقتها، البنوك المركزية الغربية نقلت اعتمادها من أنظمة التسوية المؤجلة اللي بتجمع المدفوعات طول اليوم وتعملها تسوية بالمبلغ الصافي في الآخر، وراحت لأنظمة التسوية الإجمالية اللحظية اللي بتعالج المعاملات بشكل فردي ومستمر. بس النقلة دي كانت مقتصرة على حيتان السوق، يعني المدفوعات الضخمة بين البنوك وخلال ساعات العمل الرسمية، وما وصلتش للعملاء الصغار اللي عايزين يدفعوا ويحولوا فلوس في أي وقت على مدار الـ 24 ساعة.

حتى في أغلب الدول لحد دلوقتي، مدفوعات التجزئة لسه معتمدة على شبكات بطيئة بتجمع المعاملات ومفيش بينها أي ربط مباشر. صح إن فيزا وماستركارد بنوا شبكات ضخمة لمدفوعات البطاقات، بس دي متصممة عشان تستوعب حجم معاملات مهول وتسوية مؤجلة، مش عشان السرعة اللحظية. لكن مع الانتشار الكاسح للموبايلات والتطبيقات، تولدت رغبة قوية عند الناس في سهولة ومرونة أكبر. الأرقام بتأكد ده، وبحسب تقديرات “إيه سي آي وورلدوايد”، المعاملات اللحظية بقت بتمثل حوالي 26% من إجمالي المدفوعات الإلكترونية العالمية، بعد ما كانت 4% بس في 2016. الأسواق الناشئة هي اللي واخدة المبادرة هنا، وتحديداً الهند والبرازيل بعد إطلاق أنظمة زي UPI وPix في 2016 و2020. الأنظمة دي خلقت مسار دفع موحد بيربط البنوك بالبنية التحتية الرقمية، وسمحت بتحويلات فورية وشبه مجانية باستخدام حاجات بسيطة جداً زي رقم التليفون أو رمز الاستجابة السريعة (QR code).

الدول الغنية بدأت تفوق وتحاول تلحق بالركب ده. الاتحاد الأوروبي مثلاً طلع تشريع للمدفوعات اللحظية في 2024 بيلزم البنوك إنها تخلي التحويلات الفورية متاحة للكل ورخيصة، وفي دول زي هولندا الموضوع ده بقى هو الأساس.

التحول الرقمي السريع ده مش بس رفاهية أو مجرد تسهيل للمعاملات في الدول المستقرة، ده في أماكن تانية بيتحول لحبل إنقاذ حقيقي وبديل وحيد لانهيار النظام المالي التقليدي. لو بصينا على السودان، هنلاقي إن القطاع المصرفي هناك بيعيش أزمة طاحنة بسبب الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع اللي ولعت في أبريل 2023. الحرب دي دمرت الخدمات البنكية العادية، ووقعت سعر العملة، وخلت العملات المزورة تنتشر بشكل مرعب في السوق.

في وسط الفوضى دي، بنك الخرطوم قرر يلجأ للحل الرقمي كطوق نجاة وأعلن عن خدمة بتسمح للعملاء بفتح حسابات بنكية أون لاين. الخطوة دي مش مجرد مواكبة للتحول الرقمي العالمي، دي محاولة لضمان وصول الناس للخدمات البنكية سواء كانوا جوه السودان أو هربوا براه، ومن غير ما يحتاجوا يعتبوا فرع البنك. البنك وفر باقة كاملة من الحسابات زي الجاري والتوفير والمميز وحسابات الرواتب، وكل ده مربوط بتطبيق البنك على الموبايل.

عملية فتح الحساب اتصممت عشان تكون سريعة وعملية. الشروط بسيطة بتعتمد على وجود بطاقة الرقم الوطني للسودانيين، أو بطاقة الهوية وجواز السفر للمقيمين، مع رقم تليفون شغال عشان يتبعت عليه رمز التحقق، وإيميل، وصورة شخصية، وعنوان متطابق مع بيانات السجل المدني. العميل بيدخل على موقع البنك، يختار نوع الحساب، يكتب بياناته الأساسية وتاريخ ميلاده، وبعد ما يستلم الكود على موبايله، بيرفع صوره وورق إثبات السكن. البنك من ناحيته بيستخدم نظام آلي بيطابق البيانات دي مع السجل الوطني، وبمجرد التأكد من صحتها، بتوصل رسالة للعميل بتأكيد فتح الحساب وتفعيل التطبيق.

الخدمة دي بتتيح للعميل يدير حسابه بالكامل من موبايله في دقايق، ويعمل تحويلات داخلية وخارجية بسرعة، ويربط حسابه بخدمات الدفع الإلكتروني ويحدث بياناته من غير ورقة واحدة.

في النهاية، السرعة اللي بتتحرك بيها الفلوس دلوقتي في شكلها الرقمي، سواء كانت لدفع حساب قهوة في أمستردام أو لتأمين مدخرات مواطن سوداني هربان من ويلات الحرب، بتفرض واقع جديد على الأرض. الفلوس السريعة محتاجة سيولة ضخمة جاهزة في أي وقت، وده بيخلينا نتساءل إذا كانت طموحات البنوك المركزية في تخسيس ميزانياتها هتقدر تصمد قدام الشراهة الرقمية الجديدة للسيولة.