تعيش الساحة الاقتصادية الخليجية حالة من التقلبات الحادة التي تعيد تشكيل المشهد المالي والسياسي في المنطقة بأكملها. فبينما تصارع السوق السعودية للحفاظ على توازنها وسط شح واضح في السيولة، فجرت دولة الإمارات مفاجأة من العيار الثقيل بانسحابها من منظمة أوبك، في خطوة تكشف حجم الضغوط التي تفرضها النزاعات الإقليمية وتغيرات أسواق الطاقة العالمية.
أزمة سيولة تضغط على الأسهم السعودية تلقى مؤشر الأسهم السعودية الرئيسي ضربة جديدة أدت إلى تراجعه بمقدار 38.83 نقطة، ليغلق عند مستوى 10325.20 نقطة. هذا التراجع رافقه ضعف ملحوظ في السيولة، حيث لم تتجاوز قيمة التداولات حاجز الأربعة مليارات ريال، وسط تداول 243 مليون سهم. الأرقام تعكس حالة من التردد، فاللون الأحمر سيطر على أسهم 191 شركة، بينما نجحت 61 شركة فقط في تحقيق مكاسب. السوق الموازية “نمو” لم تكن أحسن حالاً، إذ فقد مؤشرها 144.88 نقطة ليغلق عند 23226.94 نقطة، بتداولات بلغت قيمتها 24 مليون ريال وبحجم تجاوز مليوني سهم.
الخبير المالي محمد الميموني فسر هذا التراجع الواضح بأنه نتيجة مباشرة لكسر المؤشر العام حاجز 10400 نقطة. الأسعار الحالية تتداول في مناطق أقل بكثير من قيمتها العادلة، والسبب الأساسي يكمن في غياب المحفزات التي تدفع المتداولين للمخاطرة، إلى جانب شح السيولة. الميموني أوضح في حديثه لـ”العربية Business” أن المؤسسات المالية لا تزال تواصل عمليات البيع، ورغم أن وتيرة التخارج بدأت تهدأ مؤخراً، إلا أن المؤشر قد ينزلق لاختبار قيعان سابقة عند منطقة 10290 نقطة. عودة الروح للسوق مرتبطة بشروط واضحة: استعادة الثقة وضخ سيولة حقيقية، وأي حديث عن انتعاش فعلي قبل متابعة هذه المؤشرات يفتقر إلى الدقة.
حركة الأسهم وتصحيح “أكوا باور” وربما يكون التراجع الذي شهده سهم “أكوا باور” هو الحدث الأبرز، لكنه في الواقع أمر طبيعي جداً. الشركة قامت بتوسعات ضخمة في مشاريع جديدة وزادت من رأس مالها، وما يحدث الآن هو مجرد تكيّف مع السعر المنطقي للسهم الذي قد يستقر حول 140 ريالاً، ما لم تظهر محفزات جديدة.
على صعيد النشاط اليومي، تصدرت أسهم “صدق” و”اليمامة للحديد” و”شري” و”الصناعات” و”الكثيري” قائمة الشركات الأكثر ارتفاعاً. في المقابل، تكبدت أسهم “البحري” و”برغرايززر” و”أكوا باور” و”إنتاج” و”نسيج” الخسائر الأكبر، حيث تفاوتت نسب التغير صعوداً وهبوطاً بين 5.87% و6.32% وفقاً لبيانات وكالة (واس). أما من حيث كثافة التداول، فقد استحوذت “الصادرات” و”أمريكانا” و”باتك” و”أرامكو السعودية” و”درب السعودية” على النصيب الأكبر من الكميات، بينما تركزت السيولة بشكل رئيسي في أسهم “أرامكو” و”سابك” و”الراجحي” و”أكوا باور” و”stc”.
خروج إماراتي يزلزل أوبك وسط هذه الضغوط المالية المكتومة، جاء يوم 28 أبريل ليحمل زلزالاً جيوسياسياً بإعلان الإمارات خروجها من منظمة أوبك. هذا القرار الصادم لم يأت من فراغ، بل هو تتويج لسنوات من التململ داخل أروقة المنظمة بسبب قيود الحصص الإنتاجية، وتصاعد حاد في التوترات مع السعودية التي تمثل الثقل الأكبر في الكارتل. الأزمات بين البلدين امتدت أبعد من النفط، لتشمل تباين المواقف في صراعات إقليمية كبرى مثل اليمن والسودان.
ستيف هانكي، أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز، لخص الدوافع الإماراتية بعبارة مباشرة: “خذ المال واهرب”. هانكي يرى أن الحرب في إيران كانت النقطة التي دفعت أبوظبي لاتخاذ القرار الحاسم. أوبك كانت تمثل عائقاً جزئياً أمام طموحات الإمارات، لكن اندلاع الصراع المباشر جعل التهديدات أكبر وأطول أمداً، مما فرض واقعاً جديداً يتطلب جمع أكبر قدر من العوائد في أسرع وقت.
استراتيجية “الضخ بأقصى سرعة” البيان الرسمي لدولة الإمارات تجاهل تماماً ذكر الصراع في الخليج. الصياغة كانت هادئة ومدروسة لتجنب إثارة ذعر أسواق النفط، حيث أرجع القرار إلى “الرؤية الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأمد” والتوجه نحو تسريع الاستثمارات في الإنتاج المحلي للطاقة، مع التعهد بضخ كميات إضافية للسوق بشكل تدريجي يتناسب مع الطلب.
هذا التوجه لم يفاجئ هانكي، الذي عمل مستشاراً مالياً للإمارات بين عامي 2008 و2014. لقد سبق وأن صمم نموذجاً اقتصادياً يربط بين معدلات الإنتاج وتوقعات أسعار النفط، والقاعدة بسيطة: إذا كانت التوقعات تشير إلى انخفاض الأسعار على المدى الطويل، يجب تسريع وتيرة الإنتاج لتعظيم الأرباح. القيادة الإماراتية اقتنعت بهذه الرؤية، خاصة مع تزايد القلق من الزحف السريع لمشاريع الطاقة الخضراء التي تهدد بانهيار أسعار الوقود الأحفوري. ورغم استثمارات الإمارات الضخمة في مشاريع الاستدامة والطاقة الشمسية ووقود الطائرات النظيف والهيدروجين منخفض الانبعاثات، إلا أن استراتيجيتها النفطية باتت تعتمد بالكامل على مبدأ “الضخ بأقصى طاقة اليوم”. هذا التوجه دفع أبوظبي منذ عام 2021 للمطالبة برفع حصتها الإنتاجية بحوالي 50% لتصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، وهو ما أشعل فتيل الخلاف مع الرياض.
نيران الحرب تشل حركة التصدير الضربة القاضية التي سرعت من وتيرة الأحداث جاءت من طهران. شنت إيران، العضو في أوبك، هجمات غير مسبوقة بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت قلب البنية التحتية للنفط والغاز في الإمارات. هذا التصعيد بدا خيالياً قبل بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية، لكن طهران كانت تحمل غضباً دفيناً تجاه أبوظبي منذ توقيعها “اتفاقيات إبراهيم” في 2020 وتقاربها الواضح مع واشنطن وتل أبيب.
المنشآت الإماراتية تعرضت لأضرار جسيمة، حيث طالت الهجمات ما لا يقل عن خمسة مرافق استراتيجية كبرى. النيران اشتعلت في مصفاة الرويس التي تعد من بين الأكبر عالمياً، وضربت أيضاً ميناء الفجيرة الذي يمثل الشريان الرئيسي لتصدير النفط. ورغم أن الإمارات لا تزال قادرة على تمرير شحنات ضخمة عبر خط الأنابيب المتجه إلى خليج عمان، إلا أن الحرب قيدت بشدة حريتها في تأمين تدفق إمداداتها إلى الأسواق العالمية، مما جعل التحرر من قيود أوبك مسألة حياة أو موت لاقتصاد يعتمد على سباق الزمن.